يرى كثيرٌ من المراقبين داخل الولايات المتحدة الأمريكية أن الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2008 تُعد بمثابة أول انتخابات إليكترونية؛ وذلك للدور النشط غير المسبوق الذي تلعبه الشبكة العنكبوتية في حشد المناصرين والمتطوعين في صفوف المرشحين "باراك أوباما" و"جون ماكين"، مستخدمين الإنترنت في تنظيم أنفسهم وتمويل الحملات الانتخابية وتوسيع دوائر علاقاتهم واتصالاتهم ونشر أخبار مرشحهم المفضل.
وفى هذا السياق، نشر مشروع الامتياز في الصحافة Project for Excellence in Journalism التابع لمركز بيو للأبحاث Pew Research Center دراسة هامة قبل أقل من شهرين على إجراء الانتخابات الرئاسية يحلل فيها مضمون الموقعين الإليكترونيين الرسميين للمرشحين الديمقراطي والجمهوري؛ وذلك للوقوف على حجم التطور الذي تلعبه الشبكة العنكبوتية في انتخابات 2008 مقارنة بالانتخابات السابقة.
حللت الدراسة التي حملت عنوان "ماكين ضد أوباما على الإنترنت: دراسة لموقعي مرشحي الرئاسي"McCain vs. Obama on the Web: A Study of the Presidential Candidate Web Sites محتوى الحملتين الرسميتين على الإنترنت خلال شهري أغسطس وسبتمبر الماضيين أي قبل وبعد عقد المؤتمرين الوطنيين للحزبين الديمقراطي والجمهوري الذي أعلن فيهما تسمية أوباما وماكين رسميًّا مرشحين للرئاسة الأمريكية، واللذين شكلا لحظة فارقة في تطوير الحملتين الإليكترونيتين وبشكل خاص حملة ماكين.
الدراسة اعتمدت على قياس قدرة مستخدمي الإنترنت على المشاركة في مختلف الأقسام بالموقع وذلك على أساس أربعة عوامل أولها: نوعية الأقسام المتفاعلة الموجودة Interactive Features، وثانيها: مدى إمكانية إضفاء الاهتمامات الشخصية على الصفحة بحيث تحتوى الصفحة على بعض الأقسام مرتبة حسب أولوية كل مستخدم وهو ما يطلق عليه Customization (مثلما هو الحال في جوجل وياهو)، وثالثها: نوع أدوات توصيل المعلومات التي تسهل على المستخدمين متابعة الأخبار الجديدة لحملة مرشحهم الرئاسي، ورابعها: إلى أي مدى نجح الموقع الإليكتروني في تسهيل الأنشطة الأساسية التي تعتمد عليها الحملة أو ما يطلق عليها Grassroots activities مثل جمع التمويل اللازم وتنظيم اللقاءات والتجمعات وتسجيل الناخبين وإجراء اتصالات هاتفية داعمة للحملة إلى حد الوصول للناخبين في منازلهم.
تفوق ملحوظ للمرشح الأسود ومنافسه يحاول اللحاق به وبقطع النظر عن الاختلافات الواضحة في تصميم وتوظيف الموقعين، فإن موقع حملة أوباما نجح في جذب مزيدٍ من المستخدمين عن موقع ماكين. وتوضح أرقام شركة "هيتوايز" Hitwise البحثية المهتمة بدراسة استخدام الإنترنت أن موقع أوباما الإليكتروني كان له نصيب الأسد من حيث عدد زيارات المستخدمين لموقعي الحملتين، حيث وصل إلى 72% بنهاية أغسطس الماضي مقارنة بـ 28% فقط لماكين.
وأهم نتيجة خرجت بها الدراسة كانت أن الديمقراطيين وتحديدًا مرشحهم "باراك أوباما" Barack Obama هو الأكثر استفادة من هذا الوسيط الإعلامي الجديد وهو شبكة الإنترنت في الدعاية الانتخابية. وقالت الدراسة: إن فريق حملة أوباما أبدى تركيزه مبكرًا على تحفيز المؤيدين وتحويل حماسهم إلى طاقة مستغلة على الأرض للانخراط في الأنشطة التي تُعتبر العمود الفقري للحملة (تمويل وغيره) منذ الانتخابات التمهيدية بين أوباما وهيلاري كلينتون، ومن هنا اتسعت الفجوة بين التواجد الإليكتروني للمرشحين الديمقراطي والجمهوري.
لكن ماكين استطاع تطوير حملته الإليكترونية بشكل كبير ليقلل حجم الفجوة بينه وبين أوباما وذلك بإضافة مزيد من المواد التفاعلية منذ إعلانه رسميًّا مرشحًا للحزب أولويته بالإضافة فريق حملته بتزويد موقعه خلال الأسابيع القليلة الماضية ببعض المعلومات الإضافية وإتاحة أدوات تسمح ببناء صفحات شخصية تحمل كل ما يهمه المستخدم كلٌّ حسب أولويته بالإضافة إلى تطوير إمكانيات التفاعل الاجتماعي.
شملت عمليات تطوير موقع المرشح الجمهوري إضافة قسم للتفاعل أو التشبيك الاجتماعي Social networking والتواجد على مواقع الفيسبوك facebook ومايسبيس MySpace على الموقع الرسمي للحملة وهو www.johnmccain.com، إلا أن الاهتمام الحديث بهذا الجانب التفاعلي الهام والذي لم يلتفت إليه مناصرو ماكين منذ البداية لم ينجح في سد الفجوة بين أصدقاء أوباما وماكين على الموقعين الاجتماعيين الشهيرين. وتؤكد الأرقام الواردة في الدراسة بناء على قياس عدد أصدقاء كل مرشح أن أوباما لديه 1726453 صديق على الفيس بوك و510799 على مايسبيس مقارنة بماكين الذي لديه 309691 صديق فقط على الفيس بوك و87652 فقط على مايسبيس.
وفي أغسطس الماضي أتاحت حملة ماكين إمكانية إضافة أشرطة مصورة وصورٍ ومدونات على الرغم من الإعلان عنها عام 2007 تحت عنوان McCain Space، وذلك على عكس الحال في موقع أوباما الذي يوفر صفحتي My Barack Obama أو MyBO وهى خدمة نشطة على الموقع منذ عدة أشهر تتيح لمستخدميها كتابة ملاحظاتهم الشخصية في شكل مدونات وعمل "بروفايل" خاص للتعريف بأنفسهم وإضافة روابط لمجموعات أو شخصيات مناصرة لحملة الديمقراطيين.
وفي المقابل، سجلت الدراسة قيام فريق حملة أوباما منذ إعلانه مرشحًا رسميًّا بإضافة خدمة الرسائل النصية sms لتزويد مؤيدي أوباما بكل ما هو جديد أولاً بأول.
تفاعل وإمكانيات وجمهور مضاعف تظهر أعداد المستخدمين المسجلين في مواقع التفاعل الاجتماعي من محبي أوباما وماكين أن هناك فارقًا كبيرًا لصالح المرشح الديمقراطي. وتقول الدراسة:إنه مع قرب انتهاء سباق الرئاسة الأمريكي فإن عدد المستخدمين المسجلين المؤيدين لأوباما يتجاوز خمس أضعاف عدد أصدقاء ماكين. ورصدت الدراسة زيادة كبيرة لأصدقاء أوباما على موقعي "مايسبيس" و"الفيسبوك" مقابل ماكين بمعدل 1:6 و1:5، كما كان عدد الأشرطة المصورة المناصرة لأوباما والمتاحة على موقع "يوتيوب" YouTube ضعف عدد الأشرطة المصورة لماكين. أما بالنسبة لعدد المشتركين المسجلين على موقع "يوتيوب" فإنه يرجح كفة أوباما حيث بلغ عدد المشتركين في صفحته أحد عشر ضعف عدد المشتركين المؤيدين لمنافسه الجمهوري. وبالنسبة لمعدل مشاهدة الأشرطة المصورة، فقد حققت حملة ماكين تقدمًا ملحوظًا بعد نشرها إعلانات تصور المنافس الديمقراطي وكأنه نجم يفتقر للخبرة.
وأكدت الدراسة أن موقع حملة أوباما على الإنترنت وهو www.barackobama.com يحتوي على روابط إليكترونية لقصص إخبارية من وسائل الإعلام الأمريكية المختلفة تدور عن المرشح الشاب، وهو جانب يلقى اهتمامًا أكبر من فريق حملة أوباما عن حملة ماكين التي تهتم أكثر بالبيانات الصحفية التي تصدر عن معسكر المرشح الجمهوري حيث وصلت نسبتها إلى 40% مقابل 12% فقط على موقع أوباما. ولكن بعد إعلان سارة بالين مرشحة لمنصب نائب الرئيس، بدأ الاهتمام بنشر المواد الإعلامية المتعلقة بها. وسجلت الدراسة اهتمامًا بالغًا ببالين على موقع ماكين مقارنة بالاهتمام بنظيرها جوزيف بايدن في المعسكر الديمقراطي على موقع أوباما.