خبراء مجلس العلاقات الخارجية وقضية المستوطنات الإسرائيلية
تقرير واشنطن ـ عمرو عبد العاطي
تشهد العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية، التي تنوعت المصطلحات في توصيفها، حالة من التوتر مع تولي الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" سدة الحكم في الولايات المتحدة، ووصول حكومة يمينية بقيادة "بنيامين نيتياهو" في إسرائيل، واختلاف الإدارتين الإسرائيلية والأمريكية حول عديد من القضايا، يأتي في مقدمتها قضية المستوطنات الإسرائيلية، والموقف من البرنامج النووي الإيراني.
وقد أخذ منحنى التوتر في العلاقات شكلاً تصاعديًّا مع إعلان الحكومة الإسرائيلية عن بناء 1600 مستوطنة في القدس تزامنًا مع زيارة نائب الرئيس "جوزيف بايدن" لإسرائيل مؤخرًا. وهو القرار الذي رأت فيه وزيرة الخارجية الأمريكية أنه لا يُعبر عن احترام إسرائيلي للرئيس الأمريكي ونائبه.
وعلى ضوء هذا التوتر في العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية، الذي يأتي مع انعقاد المؤتمر السنوي لأكبر منظمات اللوبي الإسرائيلي داخل واشنطن "إيباك" هذا الأسبوع، استقصى ييأياستقصي مجلس العلاقات الخارجية رأي عدد من خبرائه حول أسباب التوتر في العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية على إثر القرار الأمريكي ببناء مستوطنات جديدة في القدس متحدية الرغبة الأمريكية في وقف النشاط الاستيطاني الذي يُؤثر على محادثات السلام الفلسطينية ـ الإسرائيلية التي وضعتها الإدارة الأمريكية على قمة أجندتها منذ اليوم الأول لها في البيت الأبيض.
وهؤلاء الخبراء هم: إليوت أبرامز الذي رأي أن المطالب الأمريكية بتجميد النشاط الاستيطاني تهدد الائتلاف الحكومي الإسرائيلي وتضعه في موقف صعب داخل الشارع الإسرائيلي. في حين رأي سيفن كوك أن هذا التوتر أظهر الاختلاف الإسرائيلي والأمريكي حول حل الدولتين.
ومن جانبهما رأى كل من ليسي جليب ودانيل سينور أن الإعلان الإسرائيلي عن بناء مستوطنات جديد يقوض من فرص واشنطن في منطقة الشرق وعملية السلام وأنه يصرف النظر عن التهديد الحقيقي ـ من وجهة نظر كثير من الغرب والأمريكيين ـ في المنطقة والمتمثل في إيران ومساعيها إلى امتلاك تكنولوجيا نووية غير سلمية. وأخيرًا رأي سيفن سيمون أن المشروع الاستيطاني الإسرائيلي الذي أعلن عنه مؤخرًا يجعل الفلسطينيين يفقدون الأمل والإيمان بحل الدولتين كحل للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
انتقادات معرقلة لعملية السلام
يري إليوت أبرامز أن هناك اختلافًا بين واشنطن وتل أبيب حول قضية المستوطنات منذ عقود، ولكن هذا الاختلاف لم يصل إلى حد الأزمة التي يترتب عليها قطيعة في العلاقات بين البلدين. فيشير إلى أنه خلال إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش تم التوصل إلى اتفاق مفاده أن الولايات المتحدة لا تعترض على الإنشاءات داخل المستوطنات القائمة طالما أنها لا تتوسع خارجها. ويرى أن المشكلة بين إدارة أوباما والحكومة الإسرائيلية ليست متعلقة بقضية المستوطنات ولكن حول البناء في القدس.
وينتقد أبرامز القريب من الأوساط الإسرائيلية وأحد أقطاب المحافظين الجدد في إدارة بوش الابن إدارة أوباما لانتقاداتها لإسرائيل ويقول إن أحد أخطاء الإدارة الأمريكية الحالية يتمثل في الربط بين البدء في المفاوضات بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني وتجميد النشاط الاستيطاني الإسرائيلي. فيقول إنه كانت هناك مفاوضات وجهًا لوجه بين الإسرائيليين والفلسطينيين خلال السنوات الماضية في وقت كانت إسرائيل تقوم ببناء مستوطنات في القدس، ولذا فيرى أبرامز أن طلب أوباما بتجميد المستوطنات طلب جديد ومعرقل جديد لعملية السلام.
ويخلص أبرامز في نهاية تعليقه على القضية إلى أن الانقسام في الرؤى الإسرائيلية والأمريكية والتوتر في العلاقات راجع بالأساس إلى فرض إدارة أوباما مطالب جديدة على حليفتها إسرائيل، وأن تلك المطالب الجديدة قد تزعزع استقرار الائتلاف الحاكم في إسرائيل، ويرى أن كل هذا ليس في صالح إسرائيل، الحليف الاستراتيجي لواشنطن بالمنطقة.
المستوطنات الإسرائيلية تعصف بحل الدولتين
يري ستيفن كوك أن الانقسام الأمريكي الإسرائيلي حول قضية المستوطنات ليس بالشيء الجديد، فيتحدث عن اختلاف مقاربات الرؤساء الأمريكيين في التعامل مع تلك القضية والتي تتنوع ما بين الانتقاد المباشر لـ"بوش الأب" وأوباما حاليًّا، والنهج الدبلوماسي الذي تبناه الرئيسين "بيل كلينتون" وبوش الابن حيث وصفا المستوطنات على أنها "مشكلة" و"عامل معقد".
ومن وجهة نظر كوك أنه بقطع النظر عن الطريقة التي اختارتها رؤساء أمريكا للتعامل مع قضية المستوطنات إلا أن دعم واشنطن لحل الدوليتين كحل للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي يضعها في صراع مباشر مع إسرائيل. ويشير إلى تنوع مبررات الحكومات الإسرائيلية المختلفة على مر السنين للمستوطنات ما بيَّن أنها من أجل الأمن القومي الإسرائيلي أو أنها حق أصيل للإسرائيليين ويهود العالم للعيش في وطنهم الذي تحدث عنه الكتاب المقدس. وهذان الموفقان متعارضان يصعب التوفيق بينهما من وجهة نظر كوك.
ويخلص كوك في نهاية حديثه إلى أن استمرار البناء في القدس والضفة الغربية يقوض من الجهود الدبلوماسية الأمريكية واقتراب تحقيق الاستقرار في المنطقة، ناهيك عن العصف بحل الدوليتين حيث إنه مع استمرار بناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية يصعب التوصل إلى تقسيم الأراضي حسب رغبات ومطالب السياسيين الفلسطينيين والإسرائيليين. فيقول إن ما بين ثلاثة إلى خمسة آلاف إسرائيلي يعيشون في المناطق المتنازع عليها.
رؤية إسرائيلية انهزامية
يري ليسي جليب أن الهدف من الإعلان الإسرائيلي عن بناء 1600 مستوطنة إسرائيلية في شرق القدس مع زيارة نائب الرئيس إلى إسرائيل هو إجبار الرئيس الأمريكي عن إرجاء المفاوضات التي تركز عليها الإدارة الأمريكية منذ يومها الأول في البيت الأبيض. ويرى جليب أن الإسرائيليين مخطئون في رؤيتهم تلك، ويذهب جليب إلى أن تلك الرؤية انهزامية، غبية وخطرة. ويشير إلى أن مثل تلك التحركات الإسرائيلية تضعف القوة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وعلى قدرة واشنطن على التعامل مع الطموح النووي الإيراني التي يهدد التفوق النوعي الإسرائيلي بالمنطقة لأن تلك التصرفات تظهر ضعف أوباما وإدارته، ومن شأن تلك التصرفات حسبما ذهب كثيرون تدعم المساعي الإيرانية لتحدي الولايات المتحدة وعدم الانصياع إلى مطالب المجتمع الدولي.
ويخلص إلى أن التصرفات الإسرائيلية تقوض من فرضية أن الولايات المتحدة هي الدول الوحيدة الأكثر قدرة على تحقيق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ومن شأن تلك التصرفات الإسرائيلية ـ أيضًا حسب جليب ـ تبديد أية فرص عربية للتحرك قدمًا من أجل عملية السلام.
وينتقد جليب اقتناع القادة الإسرائيليين بمدى صلابة موقفهم السياسي داخل العاصمة الأمريكية والذي يجعلهم غير قلقين من فقدانهم للدعم الأمريكي، فيقول لهم لا يجب أن يكون ذلك مدعاة للتفاؤل. ويضيف "إننا نعيش في أوقات محفوفة بالمخاطر، المشاكل الاقتصادية في الداخل ستؤدي إلى صبر أقل لتقبل توبيخ من الخارج".
وفي نهاية مداخلته دعا جليب إلى ضرورة تحرك الطرفين بسرعة لتجنب مزيد من التصعيد، فيدعو رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى وقف تنفيذ قراراته التي تؤدي إلى توتير العلاقات بين إسرائيل والولايات والمتحدة. وينهي بالقول إن على الإسرائيليين فهم حقيقة واقعية أساسية مفادها أن القوة الأمريكية هي التي تعطي للدول اليهودية حق البقاء الواقعي من دون حرب مستمرة.
المستوطنات تهدد المصلحة الأمريكية
يرى سينور أن القرار الإسرائيلي ببناء مستوطنات في القدس خطوة دبلوماسية إسرائيلية خطأ غير محسوبة نتائجها. ولكنه يرى أن إدانة الإدارة الأمريكية لقرار الإسرائيلي ببناء مستوطنات جديد أكثر خطأ، ويرى أن المشكلة لا تكمن في الاختلاف حول القضية التي سينتهي، بل في سوء الفهم للرد الفعل الأمريكي.