الولايات المتحدة ومعضلة الحوار مع الإسلاميين المعتدلين
تقرير واشنطن – محمد بسيوني محمد
مثَّل الحوار مع التيار الإسلامي أحد القضايا الإشكالية لصانع القرار الأمريكي، وهو جزء من إشكالية أوسع تتمثل في الرؤية الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط والتعامل مع الحركات الإسلامية في المنطقة التي تزايد حضورها على مدار العقود الماضية. فمنطقة الشرق الأوسط تعد منطقة حيوية للولايات المتحدة ومن ثم فالحفاظ على الاستقرار في المنطقة يمثل أهمية محورية، جعلت الولايات المتحدة تَدعم النظم الحاكمة بقطع النظر عما إذا كانت استبدادية، وحتى عندما ضغطت الإدارة الأمريكية لنشر الديمقراطية في العالم العربي، ووجدت أن نتاج ذلك وصول قوى إسلامية مثل حركة حماس للسلطة تراجعت عن دعمها للديمقراطية.
يضاف إلى ذلك حالة العداء المتبادل، أو على أقل تقدير عدم الارتياح، التي سادت العلاقة بين الولايات المتحدة والحركات الإسلامية في العالم العربي منذ انتهاء الحرب الباردة، وطرح بعض المفاهيم الغربية مثل الخطر الأخضر وصراع الحضارات والحروب الصليبية. فضلاً عن الممارسات الأمريكية في المنطقة بداية بدعم حليفتها إسرائيل مرورًا بالحرب على أفغانستان عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر وانتهاءً بغزو العراق.
ومن ثم أوجدت هذه التطورات حالة من التنافر بين الولايات المتحدة والحركات الإسلامية وفي هذا الإطار المتشابك طُرحت إشكالية مفادها، هل يوجد إسلام معتدل وإسلام متطرف؟، وما إذا كان يتعين على الولايات المتحدة الدخول في حوار مع التيار المعتدل بما يحقق لها مصالح في مقدمتها تصحيح صورتها في العالم العربي.
وفي هذا الإطار يحاول الجزء الثاني من دراسة الباحث المصري المتخصص في الشئون الإسلامية "خليل العناني" الصادرة عن مركز سابان لدراسات الشرق الأوسط التابع لمعهد بروكينجز، والتي حملت عنوان "أسطورة استبعاد الإسلاميين المعتدلين في العالم العربي"The Myth of Excluding Moderate Islamists in the Arab World " تناول إشكالية التعامل الأمريكي مع الإسلاميين المعتدلين لاسيما مع الخلط بين الإسلاميين المعتدلين والمتطرفين، والاعتقاد أن المعتدلين يمثلون تهديدًا للمصالح الأمريكية بالمنطقة.
الولايات المتحدة والديمقراطية في العالم العربي
حاولت الولايات المتحدة خلال السنوات الأولى من إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن تقديم رؤية للتعامل مع الدول العربية ترتكز على دعم الديمقراطية بها، ودعم الحريات وإجراء انتخابات نزيهة ومارست ضغوطًا على النظم القائمة لتحقيق هذه المتطلبات.
وتزامن مع ذلك التوجه الأمريكي تصاعد التيار الإسلامي- حسب الدراسة- ففي الفترة ما بين عامي 2004 و 2005 شهدت الدول العربية ما أطلقت عليه منى يعقوبيان Mona Yacoubian "تسونامي الإسلامي" للدلالة على تزايد تواجد الإسلاميين المعتدلين في المجالين السياسي والمدني، وهى الصورة التي أوحت بالتفاؤل لعديدٍ من المراقبين.
وفي هذا الصدد أجريت انتخابات برلمانية ببعض الدول العربية لتكون بمثابة اختبار حقيقي لكافة الأطراف (الولايات المتحدة والنظم العربية الحاكمة والتيار الإسلامي المعتدل). وحقق الإخوان المسلمون في مصر تقدمًا في الانتخابات التشريعية 2005 حيث حصلت على 20% من مقاعد البرلمان، كما تمكنت حركة حماس من تحقيق فوز في الانتخابات التشريعية الفلسطينية 2006، وهى النتائج التي وضعت الإدارة الأمريكية في مأزق حقيقي حيث رفضت التعامل مع حركة حماس بما يعني النكوص عن دعم التحول الديمقراطي. ومن ثم أصبحت الديمقراطية في مرتبة متأخرة من اهتمامات الإدارة الأمريكية فيما احتلت القضايا التقليدية الأولوية مثل الحرب على الإرهاب، وضمان أمن إسرائيل، وتأمين مصادر النفط، والحفاظ على الاستقرار بالمنطقة، ودعم النظم القائمة، حتى ولو كانت هذه النظم تستخدم القمع في مواجهة خصومها بما انعكس سلبًا على التيار الإسلامي المعتدل في العالم العربي.
إشكالية التعامل مع الإسلاميين المعتدلين
تتابع الدراسة تحليل السياسة الأمريكية تجاه الإسلاميين المعتدلين حيث لا يزال الحوار مع التيار الإسلامي المعتدل معضلة حقيقية في الغرب، وخاصة في الولايات المتحدة، الأمر الذي ينبع من عدد من الافتراضات السائدة في العالم الغربي وتفندها الدراسة، كما يأتي:
أولاًً: يرى عدد من المراقبين الغربيين أن وصول الإسلاميين للسلطة سيدفعهم لتغيير قواعد اللعبة السياسية لكي يبقوا في السلطة ويقوموا بفرض الشريعة الإسلامية، ومن ثم وضع حد لأية محاولة تحول ديمقراطي ويتم الاستدلال في هذا الصدد ببعض النماذج التاريخية مثل إيران عام 1979 والسودان 1989 وأفغانستان إبان فترة حكم طالبان.
فيما يطرح "العناني" رؤية مغايرة لهذا الافتراض حيث إن النماذج التاريخية السابقة شهدت وصول الإسلاميين للسلطة عبر وسائل غير ديمقراطية عنيفة. ومن ثم فإن انتشار العنف بهذه الدول ليس أمرًا مفاجئًا. فكما يشير جراهام فولر"وصول أية جماعة أو حزب للسلطة عبر القوة والعنف يؤدى دائمًا إلى بنية استبدادية وإرث من العنف يعوق أي تطور نحو الاعتدال وسيادة القانون". ويخلص "العناني" إلى ضرورة عدم تعميم هذا الافتراض عند التعامل مع الإسلاميين المعتدلين في العالم العربي.
ثانيًا: يعتبر الافتراض الثاني أن دمج الإسلاميين في العملية السياسية لن يجعلهم أكثر اعتدالاً وتقبلاً لقيم الديمقراطية، وحسب الدراسة فإن الخبرة التاريخية في العالم العربي تدحض ذلك الافتراض فعلى سبيل المثال تبنت الحكومة المغربية منذ تولي الملك محمد السادس السلطة عام 1999 عملية تطوير وتحرر سياسي تدريجية كان لها بالغ الأثر على توجهات حزب العدالة والتنمية الذي أضحى أكثر اعتدالاً والتزاماً بقواعد اللعبة الديمقراطية. وفي المقابل فإن تبني سياسات إقصائية هو الذي يدفع إلى مزيدٍ من التطرف.
ثالثًا: يربط الافتراض الثالث بين الاستقرار ودعم النظم القائمة إذ إن الحفاظ على استقرار منطقة الشرق الأوسط يتطلب دعم النظم القائمة وتقييد حركة القوى البديلة ومنها الحركات الإسلامية المعتدلة لأنها قد تؤدى إلى عدم الاستقرار في المنطقة.
وتعتبر الدراسة أن الواقع العربي يعطي رؤية مغايرة لهذا الافتراض فخلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي شهدت مصر والجزائر توترات داخلية وانعدام الاستقرار لأن النظم الحاكمة في كلا الدولتين صممت على استبعاد الإسلاميين كما أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر أوضحت أن الدعم الأمريكي للنظم العربية التسلطية أفضى إلى تزايد موجة العداء للولايات المتحدة. وفي السياق ذاته فإن انعدام الاستقرار بالمنطقة نابع من فشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ولا يمكن إلقاء تبعاته على التيار الإسلامي.
رابعًا: يفترض عدد من المراقبين والمسئولين الأمريكيين أن دعم الديمقراطية في الشرق الأوسط سيؤدى إلى تمكين الإسلاميين، فالاستبداد في العالم العربي حال دون ظهور أي أحزاب علمانية أو ليبرالية قادرة على منافسة التيار الديني. ومن ثم أصبح هذا التيار هو البديل الوحيد المتاح للعديد في مواجهة الأحزاب الحاكمة ومن هذا المنطلق فإن إجراء انتخابات نزيهة سيؤدي إلى وصول الإسلاميين للسلطة.
وعلى الرغم من ذلك فإن بعض الأمثلة تعطي دلالات مختلفة إذ إن التحول والانفتاح السياسي التدريجي لن يكون دائمًا لصالح الإسلاميين فحزب العدالة والتنمية المغربي لم يحقق أغلبية مقاعد البرلمان في انتخابات سبتمبر 2007 بالرغم من نتائج استطلاعات رأى الناخبين المغربيين التي أجرتها منظمات أمريكية ورجحت فوز الحزب بأغلبية مقاعد البرلمان.
الحوار مع الإسلاميين المعتدلين
أكدت إدارة الرئيس الأمريكي أوباما منذ مجيئها للسلطة أنها ستتعامل مع قضية الديمقراطية في الشرق الأوسط بنهج مختلف عن نهج سابقتها فلم يعد دعم الديمقراطية جزءًا محوريًّا من استراتيجية الإدارة تجاه الإقليم. وهذا ما اتضح خلال خطاب أوباما في القاهرة الرابع من يونيو 2009 حيث لم يعط الخطاب اهتمامًا كبيرًا بقضية الديمقراطية.
وتشير الدراسة إلى أن إدارة الرئيس أوباما أخفقت عندما تجاهلت حقيقة أن الشعوب العربية ترغب في تغيير أوضاعها السياسية والنضال من أجل الحرية فقد كان عديد من الناشطين في العالم العربي يأملون بأن يقوم الرئيس أوباما بمراجعة استراتيجية بوش لنشر الديمقراطية بالتأكيد على كونها هدفًا استراتيجيًّا طويل المدى.
في هذا السياق، فإن دخول الولايات المتحدة في حوار مع الإسلاميين المعتدلين يعد وسيلة مناسبة لدعم الديمقراطية في العالم العربي كما يحقق مصالح عديدة للولايات المتحدة يأتي في مقدمتها كبح جماح التيار السلفي المعادى للولايات المتحدة. كما أن الحوار معهم يعني الوصول إلى هذا التيار الهام، وما يمكن أن يفضي إليه من تحسين صورة الولايات المتحدة واستعادة مصداقيتها في الإقليم وذلك بالتزامن مع تصحيح الأخطاء في العراق وإقامة علاقة متوازنة مع إسرائيل.
وتخلص الدراسة إلى عدد من الاستراتيجيات للتعامل الأمريكي مع الإسلاميين المعتدلين وهى كالآتي:
أولاً: جزء من إشكالية العلاقة بين الولايات المتحدة والتيار الإسلامي سوء الفهم المتبادل بين الطرفين، فعديد من الإسلاميين يعتبرون الولايات المتحدة قوة إمبريالية تشن حروبًا غير مشروعة على دول المنطقة مثل العراق وتدعم إسرائيل بصورة غير محدودة.