تحت مسمى Patient Protection and Affordable Care Act أقر مجلس النواب الأمريكي مشروع إصلاح الرعاية الصحية بعد عام ساخن حافل بكثير من الشد الجذب بين الإدارة الأمريكية ورئيسها باراك أوباما من جانب، وأعضاء الكونجرس من الجمهوريين وبعضًا من الديمقراطيين الذين أظهروا ممانعة كبيرة للمشروع من جانب آخر.
وعلى الرغم من نجاح الإدارة في تمرير القانون من الكونجرس، هناك مؤشرات كثيرة تلوح في الأفق تؤكد أن المعركة بين الرئيس والحزب الجمهوري لم تنته بعد، بل ستدخل مرحلة جديدة، فقد مر القانون من مجلس النواب بأغلبية ضئيلة للغاية 216 عضوًا في مقابل رفض 212 عضوًا من ناحية أولى، وسوف يعاد القانون مرة أخرى إلى مجلس الشيوخ للتصويت على التعديلات التي أدخلها مجلس النواب من ناحية ثانية، بالإضافة إلى إعلان عدد من الولايات رغبتها في عدم تنفيذ ما جاء بالقانون، واتجاهها نحو محاولة عرقلة تنفيذه على مستوى الولايات من ناحية ثالثة. ولم تكن وسائل الإعلام بعيدة عن هذا الجدل المحتدم فقد قدمت عددًا من التغطيات الإخبارية والتحليلية لهذا الحدث خلال الأسبوعين المنصرمين.
معاركقانونيةفيانتظارالخطة.
من جانبها تناول راديو NPR –في تقرير أعدته نينا توتينبيرج Nina Totenberg – الخطوات التي من المتوقع أن يتخذها معارضو قانون إصلاح الرعاية الصحية، بعد تمريرها من الكونجرس بمجلسيه، وتوقيع الرئيس أوباما له ليصبح قرارًا نافذًا، حيث أشار التقرير إلى أن هؤلاء المعارضين يتجهون إلى مواجهة هذا القانون على مستوى الولايات الأمريكية هذا من ناحية، والدفع بعدم دستوريته من ناحية ثانية.
وفي هذا السياق يؤكد التقرير أن المعارضين يجهزون أنفسهم لمعركة قانونية سوف تستمر لشهور قادمة، تتخللها عديد من الخطوات، منها ما سيكون على مستوى الولايات، خاصة تلك الولايات التي تحاول تمرير مجموعة من القوانين المتعلقة بإعفائها من تطبيق السياسات والإجراءات التي يتضمنها هذا القانون، وعلى هذا الصعيد أشارت الكاتبة إلى أن كلاًّ من ولاية إيداهو وولاية فرجينيا قد قامتا بمثل هذه الخطوة، والتي تعني إعفاء هذه الولايات من تطبيق كثير من بنود وإجراءات القانون الجديد، بينما تم اقتراح قوانين مشابهة فيما يقارب 34 ولاية أخرى.
وتعليقًًَا على اتجاه المعارضين إلى استخدام هذا الإجراء، أكد كثير من الخبراء القانونين والسياسيين إلى أن مثل هذه القوانين – التي تعفي الولايات من تنفيذ بعض القوانين الفيدرالية - هي مجرد إجراء سياسي ليس له أي تأثير قانوني على تنفيذ القانون، حتى إن أحد المحللين السياسيين وصف هذه القوانين بأنها "مسرح سياسي" تهدف الولايات من الدفع به إلى إظهار رفضها للتشريعات الفيدرالية المعنية.
وعلى الرغم من هذه الجهود المضنية التي يقوم بها مناهضو القانون فإن التقرير أكد على أن الكلمة النهائية في إقرار هذا القانون من عدمه سوف تكون للمحكمة الدستورية العليا، والتي يرى التقرير أنها تحركت كثيرًا صوب تبني الاتجاهات اليمينية خلال الأعوام القليلة الماضية.
تمريرالخطة: بدايةلصراعجديد
وعلى شبكة CNN قدم برنامج Anderson Cooper 360 Degree حلقة خاصة عن تمرير قانون إصلاح نظام الرعاية الصحية، أشار فيها أن الأمر لم ينته بتمرير القانون من الكونجرس وتوقيعه من جانب الرئيس، لأن هناك مرحلة جديدة بدأت عقب تمرير القانون مباشرة، تتضمن تسويق القانون وضمان حشد التأييد الشعبي له، وهو ما بدأه الرئيس أوباما بتوجيه رسالة إلي الشعب الأمريكي، أكد فيها على الفوائد والمزايا التي تتضمنتها خطته، والامتيازات التي سيجنيها الأمريكيون خاصة، أولئك الذين لم تشملهم مظلة التامين الصحي، وهو المسلك ذاته الذي سيتبعه بقية أعضاء الحزب الديمقراطي، من أجل الترويج للقانون في كل أنحاء البلاد.
وتطرق كوبرCooper - مقدم البرنامج – إلى مسألة تتطور شعبية الرئيس باراك أوباما منذ تسلمه السلطة الرسمية في البيت الأبيض في يناير من عام 2009، حيث أشار إلى أن أوباما تسلم السلطة وكانت شعبيته مرتفعة للغاية، حيث كان يتمتع بنسبة تأييد تتراوح بين 70% و76%، ثم انخفض هذا التأييد في الفترات التالية لتصل إلى 60%، ومع قدوم عام 2010 بدأت نسبة التأييد هذه تنخفض بشدة حتى وصلت إلى 48%، وقبل تمرير القانون مباشرة استمرت هذه النسبة في الانخفاض حتى وصلت عشية تمرير القانون إلى 46%.
ولكن بعد تمرير القانون أظهر استطلاع للرأي قامت به مؤسسة جالوب Gallup وصحيفة يو إس توداي USA Today أن الرأي العام الأمريكي بدأ يتقبل خطة الإصلاح هذه، مما أدى إلى ارتفاع نسبة التأييد الشعبي التي يحظى بها باراك أوباما مرة أخرى إلى حوالي 48%، بينما عبرت نسبة 40% عن رفضها للخطة واعتبارها شيئًا سيئًا، في حين لم يكن لـ 11% رأي واضح بالنسبة للخطة سواء بالقبول أم بالرفض.
ولفت التقرير الانتباه إلى أن أوباما وحزبه يعولون على أنه بمجرد تمرير القانون وبداية تعرف الأفراد على تفاصيله والمزايا الكثيرة التي يتضمنها، أن يكون ذلك كفيلاً بإحداث نقلة في اتجاه الرأي العام الأمريكي تجاه الخطة، بحيث تحظى هذه الخطة بتأييد متزايد من جانب الأمريكيين، مما يسهم في زيادة نسب القبول الشعبي التي يتمتع بها الرئيس، ويدعم من فرص الحزب الديمقراطي في المحافظة على الأغلبية التي يتمتع بها في الكونجرس الأمريكي، خلال الانتخابات التشريعية المقرر عقدها في نوفمبر القادم.
على الجانب الآخر أشار البرنامج إلى أن الجمهوريين لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام هذه الأمور، فهم يتطلعون إلى إفشال خطط الرئيس وحزبه فيما يتعلق بهذا القانون بعد تمريره من الكونجرس، فهم يهدفون إلى إبطاء – أو حتى إيقاف – أي آثار إيجابية يمكن أن يجنيها الرئيس وحزبه من وراء وضع هذه الخطة موضع التنفيذ خلال الفترة القادمة، على هذا الصعيد لفت كوبر Cooper الانتباه إلى أن الحزب الجمهوري طور مجموعة من الاستراتيجيات متعددة الأبعاد في هذا الصدد، ومن أهمها التحرك على مستوى الولايات الأمريكية، حيث تشير التقارير إلى أن هناك الآن حوالي 14 ولاية أمريكية تجهز نفسها الآن لرفع مجموعة من القضايا أمام المحكمة الفيدرالية من أجل وقف تنفيذ القانون في مواجهتها، منهم 13 ولاية قامت بالفعل برفع هذه القضايا في المحكمة الفيدرالية في ولاية فلوريدا Florida بعد دقائق قليلة من تمرير القانون في مجلس النواب.
ومن الأمور الأخرى التي سيعتمد عليها أعضاء الحزب الجمهوري لمواجهة وتحدي خطة الرئيس، ستكون داخل مجلس الشيوخ، حيث سيمر القانون بمرحلة تصويت أخرى داخل المجلس على التعديلات النهائية التي أدخلها أعضاء مجلس النواب على صيغة القانون بعد إحالته لهم من مجلس الشيوخ في المرة الأولى، وفي هذا السياق لفتت دانا باش Dana Bash مراسلة البرنامج إلى أن أعضاء الحزب الجمهوري داخل مجلس الشيوخ يعلمون جيدًا أن الديمقراطيين يسعون إلى التصويت على كل التعديلات دفعة واحدة وليس على كل تعديل بمفرده، وذلك حتى يتفادوا إدخال أي تعديلات جديدة على القانون بعد أن تم إقراره بصورة نهائية من جانب مجلس النواب، الأمر الذي سيتحتم عليهم – في حالة حدوثه – إعادة القانون مرة أخرى إلى مجلس النواب للتصويت عليه مرة أخرى.
وفي مواجهة هذا الأمر فإن الأعضاء من الحزب الجمهوري سوف يلجئون إلى استراتيجية جديدة معتمدين فيها على استمرار حالة الجدل والشد والجذب من أجل جعل الأمور أكثر صعوبة من الناحية السياسية للحزب الديمقراطي، وذلك من خلال تقديم عدد من التعديلات على القانون، ويكون من الصعب بالنسبة للديمقراطيين القبول بها، لأنها سوف تخصم كثيرًا من رصيدهم السياسي.
تحدياتكبيرةفيانتظارأوباماوإدارته
ومن ناحية أخرى جاءت افتتاحية صحيفة الواشنطن بوست تحت تساؤل كبير حول "هل سينجح قانون إصلاح الرعاية الصحية؟" واعتبرت الصحيفة أن تمرير هذا القانون خلال الأسبوع المنصرم من مجلس النواب يشير إلى نصر كبير حققته الإدارة الأمريكية، أو كما يعتبره الكثيرون على الساحة السياسية الأمريكية بأنه انتصار تاريخي.
وانتقلت الافتتاحية إلى تناول ما يتوجب على الإدارة الأمريكية أن تقوم به خلال الفترة القادمة، ففي المدى القريب على الرئيس أوباما وإدارته أن يجدوا الوسائل المناسبة للتعامل مع رفض بعض الولايات تنفيذ القانون، واتجاهها نحو مواجهته بكافة الوسائل القانونية المتاحة.
وعلى المدى البعيد هل سيؤدي تمرير هذا القانون - والبدء في تنفيذه واكتمال هذا التنفيذ بحلول عام 2014 – إلى تغير منحى تصاعد نفقات الرعاية الصحية، التي تتحملها الميزانية الأمريكية وسببت لها الكثير من المشكلات، لأن معدل زيادة هذه النفقات التي تتحملها الخزانة – على حد قول الصحيفة – سوف يؤدى إلى إعلان إفلاس الولايات المتحدة في المستقبل، وفي هذا السياق أيضًا هل سيتمكن هذا التشريع من توفير نفقات التأمين الصحي لكل المواطنين الأمريكيين كما هو مستهدف منه؟ وفي سبيل تحقيق هذا الهدف هل سيسمح الكونجرس بإقرار ضرائب على خطط التأمين الصحي باهظ التكاليف، لتدخل هذه الضرائب حيز التنفيذ بحلول عام 2018 كما هو منصوص عليه في القانون؟. والأمر المهم كيف ستتمكن الإدارة الأمريكية بصورة سريعة وبدرجة عالية من المهارة الاستفادة من هذا الزخم الذي صاحب تمرير الخطة من أجل إنجاز مزيد من الإصلاحات؟
وعن انعكاس تمرير هذا القانون على واقع المواطنين الأمريكيين فيما يتعلق بنظام الرعاية الصحية، أكدت الافتتاحية أن هذا القانون يعني خلق نظام للرعاية الصحية يهتم بالجودة دون التركيز فقط على الكم، بما يجعل المواطن الأمريكي يتمتع بمستويات أعلى من الرعاية الصحية هذا من ناحية أولى. كما سيضمن هذا النظام الجديد محاسبة المستشفيات والأطباء على أي أخطاء يمكن أن ترتكب من جانبهم من ناحية ثانية. وكل هذه الأمور تفرض على الإدارة الأمريكية – كما تقول الافتتاحية – الإسراع في تنفيذ ما جاء في هذا القانون من إجراءات تنظيمية ومؤسسية، لتكون أداة لجمع البيانات اللازمة عن أفضل طرق العلاج المتبعة والتي تتميز بفعالية وتلك التي لا طائل من استخدامها، فضلاً عن تحديد المستشفيات والمؤسسات الطبية التي تقدم خدمة جيدة وتلك التي لا تفعل، وذلك من خلال إنشاء مراكز للرعاية الصحية والخدمات الطبية Centers for Medicare and Medicaid Services، هذه المراكز التي نص عليها القانون سوف تكون أداة أساسية في تنفيذ بنود الخطة وتقليل نفقات الرعاية الصحية، ومن ثم فإن أي تأخير في تأسيس مثل هذه المراكز سوف تكون تداعياته سلبية على مسيرة التنفيذ.