العدد 257 5 سبتمبر 2010
حجم الخط
موضوعات ذات صلة
الاعداد السابقة
العدد 253 16 مايو 2010
صفحة  [1]
تقييم حالة الدول العربية (2-2)

تقرير واشنطن ـ مروة عبد العزيز

نستكمل في تقريرنا التالي عرض مقالة دافيد أوتاوي David B. Ottaway – الباحث بمركز وودرو ويلسون للخبراء الدوليين، والتي تقيم حال الدول العربية. وقد ركزت الدراسة في جزئها الأول على عوامل ضعف الوحدة العربية وتراجع الدور مصر الإقليمي وقيادتها للنظام الدولي.

الجمود السياسي سمة الأنظمة العربية

يرى أوتاوي أن الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 كان لها أكبر الأثر في زيادة نفوذ الحركات الإسلامية المسلحة وزيادة الاحتقانات بين السنة والشيعة . فمع سقوط نظام صدام حسين انتهى الحكم السني في العراق، وأتيحت الفرصة لأول مرة للأغلبية الشيعية المشاركة في الحياة السياسية وتم تكوين أول حكومة عراقية يتولاها رئيس وزراء شيعي في أعقاب الانتخابات البرلمانية عام 2005، ولم يتم إعطاء العناصر السنية فرصًا حقيقية للمشاركة في العملية السياسية الأمر الذي دفع بعديدٍ من السنة الانضمام للمليشيات المسلحة التابعة للقاعدة والقيام بأعمال عنف تستهدف الشيعة.

ومع زيادة نفوذ الإسلام السياسي في الدول العربية، تتراجع كل الفرص التي قد تقدمها النظم الأوتوقراطية التي تحكم العالم العربي للإصلاح، بالرغم من أن هذه الفرص لا طائل من ورائها – على حسب تعبير أوتاوي – ولا تقدم جديدًا لأن جميع المحاولات الإصلاحية السابقة كانت نتاج أفكار الغرب.

ويؤكد أوتاوي أن الجمود السياسي الحالي الذي ينتشر في أغلب النظم العربية أدى إلى فقدان عملية تداول السلطة فيها، وضرب مجموعة من الأمثلة على استمرار الحكام العرب في مناصبهم لفترات طويلة (الرئيس مبارك يحكم مصر منذ 29 عامًا، الرئيس معمر القذافي يحكم ليبيا منذ 40 عامًا، الرئيس التونسي زين العابدين بن علي يحكم لمدة22 عامًا).

ولا تقصر هذه الظاهرة على النظم الجمهورية فقط، فهي متجذرة في النظم الملكية فالعائلات الملكية في دول الخليج تحكم منذ عشرات السنين، كذلك الأمر في المملكة المغربية حيث تحكم الأسرة المالكة منذ عام 1666 ميلادية.

ثم ينتقل أوتاوي للحديث عن ظاهرة التوريث في العالم العربي ويؤكد أنها انتقلت من النظم الملكية للنظم الجمهورية أيضًا، فبدأت سوريا في هذا عندما توفي الرئيس حافظ الأسد عام2000، وخلفه ابنه بشار – الذي تم تعديل الدستور من أجله ليصبح سن رئيس الجمهورية 35 عامًا بدلاً من 40 – كما يسعى كلا من مبارك والقذافي والرئيس اليمني على عبد الله صالح لإعداد أبنائهم لخلافتهم .

تراجع الدعم الأمريكي للديمقراطية

في أعقاب الحرب الأمريكية على العراق 2003، قامت إدارة بوش بوضع أجندة لترويج الديمقراطية في العالم العربي باعتبار أن توفير مناخ الحرية والديمقراطية في الدول العربية والقيام بإصلاحات شاملة على المستوى السياسي يمكن أن يؤدي إلى تقليل العنف والإرهاب.

فدعت إدارة جورج بوش حليفتها في المنطقة - مصر والسعودية - بالعمل على إجراء إصلاحات على المستوى السياسي لكي يكونا نموذج الديمقراطية في المنطقة. وبرغم رفض الدول العربية الإملاءات الأمريكية والتأكيد على أن الإصلاح لابد أن يأتي من الداخل، قدمت هذه الدول مجموعة من الإصلاحات الشكلية من قبيل إجراء انتخابات محلية وبرلمانية، تخفيف الرقابة على الصحف، والسماح بوجود أحزاب معارضة شكلية.

ولقد نتج عن هذه الإصلاحات – خاصة الانتخابات البرلمانية في الدول العربية - إلى بروز دور الإسلاميين ذوي التوجهات المحافظة، فأسفرت الانتخابات الخاصة بمجلس الشورى السعودي عن فوز السلفيين على المعتدلين، كذلك أسفرت الانتخابات التشريعية في مصر عام 2005 بفوز الإخوان المسلمين بـ88 معقدًا في مجلس الشعب المصري. وأخيرًا نتج عن الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006 فوز حماس .

وقد أدى هذا إلى تراجع إدارة بوش عن الترويج للديمقراطية، واستوعب باراك أوباما هذا الدرس فلم يركز على قضية الترويج للديمقراطية، بالرغم من انتقاده بشدة من قبل مناصري حقوق الإنسان – المحافظين والديمقراطيين على السواء – بسبب تخليه عن مهمة الولايات المتحدة لنشر الديمقراطية في العالم العربي.

إن تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية في الدول العربية خلقت حالة من عدم الرضا بين المواطنين، كما أدى إلى تراجع دورها على الصعيد الدولي. فوفقًا لتقرير التنمية البشرية عام 2002 بلغ عدد الأميين في الوطن العربي 65 مليون نسمة معظمهم من النساء، كما يعيش كل خمسة أفراد على أقل من 2 دولار يوميًّا. وبلغت نسبة البطالة في العالم العربي خاصة في شمال إفريقيا عام 2008 (15%)، وبلغت أعلى نسب لها في كل من الجزائر(25%) ومصر (17%).

تراجع نفوذ القوى الإقليمية لصالح دويلات الخليج

ولقد بدأ نفوذ القوى الإقليمية الكبرى (مصر-السعودية) في التراجع أمام الدويلات الصغيرة في الخليج التي تمتلك ثروات هائلة نتجت عن امتلاكها للنفط، والتي نمى اقتصادها بشكل سريع خلال السنوات الأخيرة وانفتحت على السوق العالمية من خلال العمل على إنشاء الاستثمارات الضخمة في العديد من دول العالم، كما انفتحت على الثقافة الغربية وقامت بتحسين مستوى التعليم بها، فاستضافت أكبر وأشهر جامعات العالم لتحمل حركة التحديث لكل الدول بالمنطقة ولتقوم بدور ريادي مستمد من نفوذها المادي.

بالإضافة إلى ذلك تحاول هذه الدويلات القيام بدور سياسي بديل للقوى الإقليمية الكبرى، وعلى رأس هذه الدول قطر، ففي أعقاب الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة قامت قطر بتجاهل مكانة مصر والسعودية كقوى إقليمية لها وزنها ودعت لعقد قمة عربية طارئة لمناقشة الموضوع، ولم يستجيب للدعوى سوى 14 دولة وقاطعتها مصر والسعودية وبقية الدول.

مستقبل العالم العربي السيناريوهات المحتملة

يختتم الكاتب مقاله بالقول بأن دور مصر كقوى إقليمية في المنطقة بدأ في التراجع مع بداية عصر مبارك إلى أن إلى حد التلاشي، وأن الوضع لن يتغير بعد مبارك لأن الوضع في العالم العربي تغير بصورة لا رجعة فيها، وأن الدول العربية لن تكترث بعودة الدور الريادي لمصر لأنه لا يوجد نموذج مصري للتنمية السياسية والاقتصادية يمكن أن يحتذى به. ولذلك فإن كل نظريات ورؤى التغيير والتطوير تأتي الآن من الدويلات الصغيرة في الخليج التي تتخذ النموذج الغربي في التحديث، ونظمها قابلة للتطوير على العكس من النظام المصري المتسم بالجمود . ويؤكد أن الدول العربية تستمد حيويتها من تراجع الدور المصري.

ويضع أوتاوي سيناريوهين لمستقبل الوطن العربي، تتمثل في الآتي:

النموذج الأول: النموذج المتمثل في قيادة الدول الخليجية ذات الثروات الطائلة .

النموذج الثاني: النموذج الإسلامي المحافظ القائم على التمسك بأحكام الشريعة، والذي يروج له الأصوليون.

ويختتم مقاله بالتأكيد على أن الوحدة العربية باتت سرابًا سواء على المستوى الاقتصادي أم السياسي، فعلى المستوى الاقتصادي تتجه الدول العربية المصدرة للبترول والغاز الطبيعي للتعاون مع الدول غير العربية، فدول الخليج تتجه شرقًا للتعاون مع الهند والصين وباقي الدول الآسيوية، في حين تفضل دول المغرب العربي التعاون مع دول الاتحاد الأوروبي.

وعلى الصعيد السياسي لا توجد رؤية سياسية متجددة موحدة تتفق عليها الدول العربية لحل القضايا المعاصرة، وتواجه بها المد الإسلامي، وتكتفي فقط بالحفاظ على مخزون من الأفكار التاريخية البالية التي لا تصلح لهذا العصر الأمر الذي ينذر بكارثة حقيقية تهدد مستقبل هذه المنطقة.



صفحة  [1]

نسخة سهلة الطباعة     علق على المقال     أرسل المقالة لصديق

الاعداد السابقة

العدد 256 10 اغسطس 2010
العدد 255 7 يوليه 2010
العدد 254 7 يونيه 2010
تعليقات سابقة على المقال: