إن الحل القائم على دولتين للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني يُمثل مصلحة ملحة للولايات المتحدة الأمريكية، حيث إنه يعتبر المنهج الأكثر واقعية لإحلال السلام الدائم وتحقيق العدالة للإسرائيليين والفلسطينيين كما أنه يحقق مصلحة واضحة وجوهرية للأمريكيين، والفلسطينيين والإسرائيليين وأيضًا مصلحة العديد من الدول الأخرى في المنطقة.
وهذا الحل العملي يجب أن يقوم على ركيزة أساسية هي توفير الأمن الكافي للجانبين الإسرائيلي والفلسطيني على حد سواء، لكن تحقيق هذا الهدف لن يكون بالأمر السهل حتى في سياق إقامة دولتين، لأن كل دولة ستكون صغيرة نسبيًا، كما سيكون على الطرفين تنسيق عمليات المراقبة على الحدود، والوصول للمياه والمواقع الدينية الرئيسة، وغيرها من القضايا الخلافية الأخرى المحتملة. فالتاريخ الطويل من الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين سيقود حتمًا لتعظيم المخاوف الأمنية. كما أن ذلك من شأنه إثارة قلق الطرفين من أن التنازلات التي قدمت في إطار اتفاقية الوضع النهائي من المحتمل أن تصبح يومًا ما عرضة للدخول مرة أخرى في مفاوضات حولها. وعلى الرغم من هذه التحديات، فإن إقامة دولتين ما زال يمثل أفضل الفرص لتحقيق الأمن المتبادل للطرفين الإسرائيلي والفلسطيني سواء في الوقت الراهن أو في المستقبل القريب.
في هذا السياق، تأتي هذه المقالة بعنوان "تحديات الأمن الإسرائيلي – الفلسطيني" للكاتب "ستيفن والت" Stephen M Walt ، وهو أستاذ بقسم الشئون الدولية في كلية هارفارد كيندي وعضو في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، ومحرر في مجلة السياسة الخارجية، وذلك ضمن سلسة المقالات حول دراسة السلام في الشرق الأوسط الصادرة عن مجموعة بوسطن"Boston Group" تحت عنوان "إسرائيل وفلسطين . دولتين لشعبين: إذا لم يكن الآن، فمتى؟!"Israel and Palestine …two states for two peoples: if not now, when"".
متطلباتالأمنالإسرائيلي
يُشير الكاتب إلى أنه لكي نفهم متطلبات واحتياجات الأمن الإسرائيلي الحالية بشكل تام فلابد من الاعتراف بأن الوضع الأمني الآن قد تغير عما كان عليه عام 1948، والدليل على ذلك:
أنه فيما يتعلق بالتهديدات العسكرية التقليدية، فإن إسرائيل الآن أكثر أمنًا مما كانت عليه وقت احتلالها للضفة الغربية ومرتفعات الجولان عام 1967م، حيث كانت إسرائيل حينذاك تواجه معارضة من قبل العالم العربي بأكمله أما اليوم فقد وقعت مصر والأردن معاهدات سلام مع إسرائيل بل أكثر من ذلك ففي عام 2007 أيدت الدول الأعضاء بجامعة الدول العربية (والمملكة العربية السعودية على وجه التحديد) مبادرة السلام لعام2002.
وفي عام 1967 كان حجم الإنفاق الدفاعي الإسرائيلي أقل من نصف حجم الإنفاق لكل من مصر وسوريا والأردن والعراق. أما اليوم فقد تجاوز الإنفاق الدفاعي الإسرائيلي مجموع الإنفاق الدفاعي لجيرانها بهامش كبير حيث فقدت سوريا راعيها السوفيتي عام 1989، والعراق دمرت نتيجة خوضها ثلاثة حروب مدمرة، وإيران تبعد عن إسرائيل مئات الأميال.
علاوةً على ذلك، فقد انتصرت إسرائيل في حرب عام 1948، حرب 1956، حرب 1967 بشكل حاسم – في الوقت الذي لم تمدها فيه الولايات المتحدة بالمساعدات الاقتصادية والعسكرية الكافية –، كما أنها فازت بحرب أكتوبر عام 1973 ـ على حد وولت ـ على الرغم من أنها كانت ضحية الهجمة المفاجئة الناجحة. فاليوم، إسرائيل أصبحت أكبر قوة عسكرية في المنطقة وحليفًا استراتيجيًّا للولايات المتحدة الأمريكية وأكبر متلقٍ لبلايين الدولارات من المساعدات العسكرية والاقتصادية.
وأخيرًا، فإن إسرائيل لم يكن لديها درع نووي قبل عام 1967 بينما اليوم أصبح لديها ترسانة نووية تتجاوز 200 سلاح، ففي ظل حدود ما قبل عام 1967 وفي وقت قصير أصبحت إسرائيل أكثر أمنًا من أي وقت مضى ولم تعد تواجه أي تهديدات خطيرة بالأسلحة العسكرية التقليدية.
ويرى "والت" أن التهديدات الرئيسة لأمن إسرائيل اليوم تنبع من طرق القتال غير التقليدية بما في ذلك هجمات الصواريخ قصيرة المدى التي تشنها الجماعات الفلسطينية في قطاع غزة، التهديدات الصاروخية من قبل حزب الله في جنوب لبنان والاحتمالات المستمرة للهجمات الإرهابية (بما في ذلك التفجيرات الانتحارية) ضد القوات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة أو ضد المدنيين الإسرائيليين. وعلى الرغم من أنه لا يجب التقليل من شأن هذه التهديدات إلا أنها لا تشكل تهديدًا على بقاء إسرائيل.
والأكثر أهمية من ذلك أن الوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة لا ينفي هذا الخطر. بل على العكس، فجهود إسرائيل المستمرة للاستيطان في الضفة الغربية ومحاصرة سكان قطاع غزة يعد أحد الأسباب الأساسية لاستهداف الجماعات الفلسطينية لإسرائيل. وفي ظل غياب حل الدولتين، فإن هذه التهديدات غير التقليدية لن تنتهي بل في الواقع قد تتطور الأمور إلى الأسوأ.
إيران نووية تهدد أمن إسرائيل
أما الخطر الثاني غير التقليدي على أمن إسرائيل فيتمثل في سعي إيران الدائم لامتلاك دورة الوقود النووي الكاملة ومن ثم إعطاؤها القدرة على صنع أسلحة نووية إذا ما اختارت ذلك. ومن الجدير بالذكر أن قلق إسرائيل بهذا الشأن من السهولة استيعابه خصوصًا في ظل تصريحات الرئيس الإيراني "محمود أحمدي نجاد" المسيئة بشأن ارتكاب إسرائيل لمحرقة الهولوكوست وتصريحاته المتكررة التي تتحدى شرعية وجود إسرائيل.
غير أن هذا القلق المشروع من قبل إسرائيل لا ينبغي المبالغة فيه كما لا ينبغي أن يقودنا إلى استخلاص استنتاجات خاطئة فيما يتعلق بأسلوب التعامل الأفضل من قبل الإسرائيليين تجاه الفلسطينيين، حيث أعلن الرئيس الإيراني "أحمدي نجاد" مؤخرًا دعم بلاده لحل الدولتين في حالة جلوس الطرفين على مائدة المفاوضات.
ثانيًا أنه حتى في حالة امتلاك إيران أسلحة نووية يومًا ما، فيجب إلا ننسى أن إسرائيل لديها قوة ردع نووية خاصة بها، فلا يمكن لزعيم إيراني مهاجمة إسرائيل دون رد إسرائيل على ذلك بانتقام مدمر كما أن أي استخدام للأسلحة النووية يتطلب مشاركة فعالة من قبل عديدٍ من أفراد القيادة الإيرانية والقوات المسلحة. فالخوف من استخدام الأسلحة النووية ما زال بعيدًا نوعًا ما لأن تنفيذ التهديد النووي ليس بالمصداقية ذاتها ضد الخصم المسلح نوويًا.
فإسرائيل (وغيرها) لديها أسباب للقلق حيال البرنامج النووي الإيراني لكن هذه المخاوف ليست حجة ضد حل إقامة الدولتين. بل على العكس، فإن هذه المخاوف تبرز إلى أي مدى أن السيطرة على الأراضي المحتلة لم تعد ذات أهمية لأمن إسرائيل (بعبارة أخرى، أنها لم تعد مصدر حماية من هجمات الصواريخ الباليستية أو هجمات الإرهابيين الانتحارية).
وفي الواقع، فإن وجود إسرائيل الدائم والمستمر في الأراضي المحتلة يعزز مصالح إيران من خلال إعطائها ورقة رابحة للعب بها في السباق على تعزيز نفوذها على نطاق أوسع في المنطقة والمساومة بشأن برنامجها النووي مع واشنطن. فالالتزام الإيراني تجاه القضية الفلسطينية يتسم بالانتهازية وحديث النشأة نسبيًا، فإيران لم تبدأ في دعم المتطرفين الفلسطينيين مثل حركة حماس والجهاد الإسلامي حتى أوائل التسعينيات وذلك استجابة لاستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية القائمة على "الاحتواء المزدوج" ومحاولة أمريكا عزلها في المنطقة.
فقد أعلن في وقت سابق أحد الساسة الإيرانيين البارزين وهو الرئيس الإيراني السابق "محمد خاتمي" استعداد بلاده لقبول أي اتفاق يوافق عليه الفلسطينيون وإنهاء دعم بلاده لحركة "حماس"، الجهاد الإسلامي وحزب الله وذلك في سياق عقد صفقة كبرى مع الولايات المتحدة الأمريكية.
فإذا ما أزلنا المصدر الرئيس لقوة إيران وعملنا على تسهيل التقارب بين إسرائيل وباقي الدول الأخرى (مثل المملكة العربية السعودية) – التي لديها مخاوفها الخاصة من إيران – فإن حل الدولتين قد يكون الطريق الأفضل لتقليل الخطر الذي تمثله إيران في الوقت الراهن.