في تلك المقالة يستكمل ستيفن وولت تأكيد أن حل الدولتين الذي تتبناه إدارة أوباما وتسعى إلى تحقيقه يحقق الأمن للفلسطينيين والإسرائيليين.
حل الدولتين مصدر شرعية
من شأن حل الدولتين تعزيز رغبة إسرائيل في التمتع بالشرعية الدائمة، فامتلاك إسرائيل للقوة العسكرية لا يعوضها عن فقدان الأمن الناتج عن عدم رغبة دول الجوار في الاعتراف بوجودها وشرعيتها. فحتى يتم الاعتراف بإسرائيل وقبولها في المنطقة، سيظل مواطنوها في خوف مستمر فيما يتعلق بتوقف مستقبلهم على هيمنة دولة إسرائيل وأيضًا خوفهم من أن تآكل قوة إسرائيل سيضع وجودها على المحك.
في هذا السياق، يشير وولت إلى أنه بالتخلص من المعوقات الكبرى أمام قبول إسرائيل إقليميًا، فإن حل الدولتين سيحقق منفعة متبادلة للطرفين ويزيد من احتمالات السلام الدائم. وفي الواقع، فإنه من الصعب تخيل إمكانية قبول إسرائيل والاعتراف بها من قبل الدول الأخرى في ظل احتلالها للأراضي الفلسطينية واستمرار نكرانها للحقوق السياسية الأصيلة للشعب الفلسطيني.
حل الدولتين بشروط إسرائيلية
وفي الوقت ذاته، فإن حل الدولتين لابد من تطبيقه بطريقة تحمي إسرائيل من الهجمات الناجمة من أراضي دولة فلسطين الجديدة، فلا يمكن لأية دولة أن تتوقع الأمان المطلق، وبطبيعة الحال فإن الإسرائيليين سيريدون التأكد من أن دولة فلسطين لن تصبح معقل للهجمات الإرهابية المكثفة ضد إسرائيل.
والحماية الأكيدة من هذا الخطر تتمثل في نمو علاقات إيجابية وودية بين الشعبين، ومن ثم القضاء على الحافز وراء مزيد من الهجمات. في غضون ذلك، فإن الحل الواقعي والمتمثل في إقامة الدولتين سوف يتطلب فرض قيود على التسلح الفلسطيني والتطوير المستمر لقوات الأمن الفلسطينية (الشرطة والقوات شبه العسكرية) - وهي العملية التي تجري حاليًا – بل وربما نشر مؤقت لقوات حفظ الأمن الدولية والتي من المحتمل أن تضم قوات أمريكية وذلك خلال الفترة الأولى من إقامة الدولة الفلسطينية.
ويجب ألا ننسى أن الاتفاق المتبادل والتخطيط المسبق والتقسيم الواضح للمسئوليات كان مفقودًا وقت الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة في سبتمبر عام 2005م مما خلق فجوة الفراغ الأمني وخلفَ وضعًا كارثيًا للجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على حد سواء مما أدى في نهاية الأمر إلى هبوط الصواريخ في مدن الجنوب الإسرائيلي والحصار الذي فرض على غزة وحرب غزة أواخر عام 2008 وبدايات عام 2009م.
المتطلباتالأمنيةلدولةفلسطينالمستقلة
يشير "والت" إلى أن توفير الحد الأدنى من المتطلبات الأمنية لدولة فلسطين من أكثر المهام صعوبةً على الإطلاق، حتى أكثر المخططات التوسعية لإقامة دولة فلسطينية في المستقبل فإنها لن تمنح لهم السيادة على ما لا يزيد عن 22 % من أراضي فلسطين الأصلية (في ظل الانتداب) بما في ذلك قطاع غزة.
وحتى إذا ما تم توصيلها بمعبر أرضي (بمعنى معبر ضيق للعبور) فإن دولة فلسطين المستقبلية ستتكون من مقاطعتين متميزتين أكبرهم ستكون مقاطعة حبيسة ومطوقة بالإسرائيليين من ناحية الغرب وبالأردن من ناحية الشرق، ومن ثم فالدولة الجديدة ستكون أكثر فقرًا وضعفًا من جارتها إسرائيل لعدة عقود قادمة. كما أن مقترحات السلام السابقة (بما في ذلك معايير كلينتون في ديسمبر 2000) تتبنى تصورًا لقيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح، وعلى الرغم من ذلك فإنها تسمح للفلسطينيين ببناء قوات أمن داخلية وذلك من شأنه السماح بالنمو حيث الزيادة السكانية الفلسطينية. وقد اقترحت معايير كلينتون أيضًا ما يلي:
1. حق إسرائيل في الاحتفاظ بثلاث محطات للإنذار المبكر على الأراضي الفلسطينية بوضعهم الحالي على أن يعاد النظر في ذلك بعد مرور (10) سنوات ويتم مراجعة ذلك في إطار الاتفاق المتبادل.
2.مد السيادة الفلسطينية على مجالها الجوي وذلك باستثناء الاحتياجات التدريبية والعملية الإسرائيلية.
3.حق القوات العسكرية الإسرائيلية في اختراق الأراضي الفلسطينية في ظل إعلان حالة الطوارئ الوطنية والتي يطلق عليها مصطلح "الخطر الوشيك للأمن القومي الإسرائيلي ذي الطبيعة العسكرية".
وتمثل هذه المعايير تنازلات هامة فيما يتعلق بالسيادة الفلسطينية. وفي الواقع، فإنه من الصعب التفكير في قيام دولة مستقلة تواجه قيود مماثلة، ومن ثم فالترتيبات الأكثر ترجيحًا لقيام دولة فلسطين المستقبلية تتمثل في تعظيم أمن إسرائيل عن طريق ضمانة رئيسة هي التأكد من عدم وضع دولة فلسطين الجديدة في وضع يهدد أمن إسرائيل بشكل مباشر ويتيح لإسرائيل اتخاذ الخطوات التي تراها ضرورية لحفظ أمنها في حالة فشل الاتفاقية.
وعلى الرغم من أن قبول فلسطين لهذه الضمانات يمثل تطورًا جوهريًا في ظل الوضع الراهن للفلسطينيين (بعبارة أخرى في ظل عدم تمتعهم بدولة خاصة بهم وخضوعهم المباشر للتحكم العسكري الإسرائيلي) إلا أن هذه القيود ما تزال محل قلق كبير لاسيما بالنظر إلى احتمال حدوث نزاعات في المستقبل حول الحصول على الموارد المائية والمواقع الدينية المقدسة وذلك جنبًا إلى جنب مع محاولات الإسرائيليين والفلسطينيين المتطرفين شبه المؤكدة لإحباط أي اتفاقية من خلال القيام بالعديد من أحداث العنف. ولا يمكن لأي حكومة فلسطينية مسئولة أن تتجاهل إمكانية ظهور تهديدات جديدة الناجمة عن أي مكان بالإقليم.
وقد أشار عدد من المراقبين والمشاركين في الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني (بما فيهم الرئيس الأمريكي السابق "بيل كلينتون") أن أكثر الحلول الواعدة بشأن هذا التحدي يتمثل في شكل ما من أشكال قوات حفظ سلام دولية. فإذا ما تم تصميمها وتنفيذها بشكل صحيح، فإن تواجد القوات الدولية من شأنه أن يطمئن إسرائيل بشأن التهديدات المحتملة الناجمة عن قيام دولة فلسطين وفي الوقت نفسه حماية الدولة الجديدة من الضغوط الخارجية
دولة فلسطينية ضعيفة يهدد إسرائيل
وتوضح الاعتبارات السابقة أن النجاح في إقامة الدولتين يتطلب نهج علاقات مع الفلسطينيين من منظور مختلف نوعًا ما عن النهج الذي كان متبعًا سابقًا. ففي الماضي كانت القيادة الإسرائيلية والصهيونية تفضل بشكل عام أن يكون خصمها ضعيفًا ومنقسمًا مما يسهل من جهودها الذاتية ويقلل من فرص تمثيل الجانب الفلسطيني لأي تحديات خطيرة، وقد كان لهذا النهج منطقه حينذاك ولكنه الآن يجلب نتائج عكسية.
ففي الوقت الراهن، يمكن تعزيز أمن إسرائيل من خلال إقامة دولة فلسطينية شرعية يمكنها الحفاظ على النظام في المنطقة الخاضعة لسيطرتها. ومن المفارقات، فإن وجود مجتمع فلسطيني ضعيف ومقسم يمثل بيئة خصبة لنمو الإرهاب ضد إسرائيل
وبالمثل فإن القادة الفلسطينيين لابد وأن يروا جيرانهم الإسرائيليين على أنهم شركاء في مناهضة الخطر المشترك المتمثل في الإرهابيين المتطرفين داخل وخارج النفوذ الإسرائيلي والفلسطيني على حد سواء. غير أنه يبدو أن بعض القادة من الجانبين لديهم القدرة على تحقيق هذا التغيير عن إيمان بذلك ولكن من الصعب حدوث هذا التغيير عالميًا أو حتى نشره على نطاق أوسع.
إن تحقيق هذا الهدف يتطلب من إسرائيل أن تقدم مقترح اتفاق نهائي سخي بقدر كافٍ لإعطاء الزعيم الفلسطيني الذي سيوقعه فرصة إحراز تقدم سياسي كبير، حيث إن فرض اتفاق أحادي الجانب من شأنه تقويض ما تم الاتفاق عليه والسماح بنمو روح الانتقام. بعبارة أخرى، من مصلحة إسرائيل أن تبرم اتفاقًا مع الفلسطينيين يقبله الطرفان لحظة توقيعه وفي المستقبل البعيد.