تقرير واشنطن – يحيى عبد المبدي محمد مؤلف هذا الكتاب هو توماس فريدمان كاتب عمود الشئون الخارجية في صحيفة نيويورك تايمز وأحد أكثر الكتاب والصحافيين الأمريكيين شهرة في العالم العربي. عمل فريدمان مراسلا لصحف أمريكية في بيروت والقدس وتعلم العربية في القاهرة وحصل على الماجستير في دراسات الشرق الأوسط من جامعة أكسفورد. وتترجم مقالاته أسبوعيا في الكثير من الصحف والمواقع الإلكترونية العربية. ويعتبر كتاب فريدمان الأخير "العالم مسطح"The World Is Flat امتدادا لكتابيه السابقين "السيارة الكسس وشجرة الزيتون" (1999) و"تطلعات ومواقف: العالم في عصر الإرهاب" (2002) في الاهتمام بقضية العولمة والتحولات التي يشهدها العالم.
لماذا هذه العنوان؟ لعل أول ما يلفت نظر القارئ في كتاب فريدمان الجديد هو العبارة المجازية التي استخدمها عنوانا للكتاب، وهي "العالم مسطح: تاريخ مختصر للقرن الـ 21 "، فكلمة مسطح هي المقابل لكلمة كروي ولكن فريدمان يقصد بالتسطيح في هذا السياق الصغر المتناهي والاتصال. كما أن المؤلف استبق في العنوان انتهاء القرن الحالي بإطلاق حكم مسبق عام على تاريخه كنوع من استشراف المستقبل واستعمال العبارات المثيرة. ويبسط الكاتب مفهومه عن العالم المتصل أو المسطح من خلال ضربه مثالا يوضح ما آلت إليه القرية الصغيرة التي نقطنها جميعا والتي تسمى "العالم". فعندما تطلب سندوتش همبرغر من أحد محلات مكدونالدز في ولاية ميزوري وسط الولايات المتحدة وأنت في سيارتك باستخدام الميكرفون خارج المحل ، فإن الذي يتلقى الطلب شخص يجلس في وحدة اتصال هادئة بعيدة عن ضجيج المطعم على بعد 900 ميل في ولاية كلورادو. وفي خلال دقائق معدودة أو حتى ثوان تكون قد استلمت السندوتش من نافذة لا تبعد خطوات من مكان الميكرفون.
العرب خارج السياق لا يستبعد الكاتب الشرق الأوسط وسكانه من حركة التاريخ ولا يعتقد أنهم سيختفون من على خارطة الاهتمام العالمي (الأمريكي خاصة) ويرى أن قضايا الإرهاب وتهديدات القاعدة ستظل ماثلة لسنوات. كما أن قضايا الإصلاح والديموقراطية ستظل تشغل العالم أيضا. ولكن مثل هذه القضايا لن تشكل مستقبل العالم الجديد، فالعرب الخاسرون في عصر العولمة والبعيدون عن اقتصاد السوق والتجارة الحرة والديموقراطية السياسية لا يستطيعون تغيير وجه العالم أوالمساهمة في تشكيل مستقبله. بل يعتقد الكاتب أن اهتمام الساسة وصناع القرار الأمريكيين بالشرق الأوسط ومجابهة الإرهاب بعد 11 سبتمبر(أيلول) قد صرف الأنظار عن التحدي الحقيقي المتمثل في التحولات التي شهدها العالم مؤخرا والي منها قيام كل من الهند والصين بدور رئيسي فاعل في تسطيح العالم من خلال التكنولوجيا الحديثة وثورة الاتصالات.
إعادة اكتشاف الهند والصين؟ يبدأ فريدمان كتابه بعقد مقارنة بين رحلته الاستكشافية إلى الهند والصين في الخريف الماضي ورحلة البحار الشهير كريستوفر كولمبس في القرن الـ 15 الميلادي، والتي سعى من خلالها إلى اكتشاف طريق جديد إلى الهند . يقول فريدمان " بينما عاد كولمبس إلى مليكه فرديناند بحقيقة اكتشاف أن الأرض كروية.... عدت أنا إلى زوجتي قائلا إنني يا عزيزتي اعترف أن العالم مسطح". ويركز فريدمان في كتابه على الهند والصين بصفتهما أكثر المستفيدين من تسطيح العالم. ويرى فريدمان أن مدينة بنغلور Bangalore الواقعة جنوب الهند والتي تعتبر عاصمة التكنولوجيا في البلاد هي "العالم الجديد" الذي اكتشفه. ويحذر الكاتب من جدية التحدي الذي تشهده الولايات المتحدة في العالم المسطح من نموذجي الهند والصين قائلا "إن حركة التسطيح سوف تستمر ولن تتوقف حتي يتصل العالم ويتواصل العمل 24 ساعة في اليوم وسبعة أيام في الأسبوع و365 يوما في السنة ولهذا السبب فإن الهند ستفوز في هذة المنافسة بسبب اختلاف التوقيت، حيث أن توقيت عملهم يتوافق مع توقيت نوم سكان الولايات المتحدة!" ويخاطب فريدمان ابنتاه مذكرا أن والديه كانا يأمرانه بإتمام أكل طعامه كاملا لأن هناك من يتضور جوعا في الهند والصين. ولكن الآن وفي عصر العالم المسطح ينبغي على الأبناء أن يكملوا واجباتهم الدراسية كاملة لأن نظراءهم في الهند والصين يتعطشون للحصول على وظائفهم. وعلى الرغم من التحذير من نتائج المنافسة المحمومة في سياق العالم المتصل، يذهب فريدمان في كتابه إلى أن نتائج التنافس لن تكون بالضرورة سيئة ، بل ربما تحمل الكثير من فرص التعاون في مجال التنمية بين أناس مختلفين في أماكن شتى من العالم دون أن يفرض أحدهم سيطرته على الآخر. ويستبعد فريدمان الصدام بين الدول التي تتقاسم قيم وثقافة العالم المتصل وصناعاته.
المرحلة الثالثة من العولمة يعتبر فريدمان في كتابه أن العالم يعيش الآن النسخة المعدلة الثالثة من العولمة. وأن الظهور الأول للعولمة كان في الفترة مابين عام 1492 وحتى 1800 وكانت السمة الغالبة لتلك المرحلة هو استخدام القوة في السيطرة من قبل المستعمر. أما المرحلة الثانية فتمتد من عام 1800 حتى عام 2000 وتميزت هذه النسخة عن سابقتها بسعي الشركات متعددة الجنسيات بالحصول على أسواق اقتصادية في الخارج وعمالة رخيصة لإنعاش اقتصاديات الدول التي تقود حركة العولمة. وشهد العالم خلال تلك المرحلة النهضة الصناعية والاختراعات الحديثة من القطار والهاتف إلى الكمبيوتر والبرمجيات. أما النسخة المعدلة الثالثة من العولمة فتبدأ من العام 2000 وحتى الآن وتبرز فيها أهمية الفرد الذي يستطيع في العالم المسطح تجاوز كافة أنواع المعوقات والعراقيل والتواصل مع أي شخص أو مكان في العالم. ويقول فريدمان إن حجم العالم قد تقلص خلال المراحل الثلاثة تدرجيا حتى بات متناهيا في الصغر عندما أصبح مسطحا. ويضيف فريدمان أنه إذا كان الأوربيون والأمريكيون هم من قادوا وسيطروا على حركة العولمة في طوريها الأول والثاني، فإن الطور الثالث منفتح للجميع وعلى الجميع من كافة أطياف وألوان قوس قزح الإنساني.
ما الذي جعل العالم مسطحا؟
يذكر فريدمان أن العالم قد أصبح مسطحا في السنوات الأخيرة نتيجة عشرة عوامل أهمها سقوط حائط برلين في عام 1989 إيذانا بسقوط الاتحاد السوفيتي ونهاية حلف وارسو. ثم انطلاق خدمة البحث على الانترنت "نت اسكيب" Netscape عام 1995بما تحتويه من تسهيلات جعلت من تصفح الانترنت أمرا سهلا ويسيرا. ثم تأتي عدة عوامل مترابطة تتعلق بسعي الشركات العملاقة لتحقيق مكاسب خيالية وتخفيض قيمة الإنفاق من خلال توظيف عمالة رخيصة من البلدان الأقل دخلا، حيث أدركت تلك الشركات أن المهندسين الهنود يمكنهم القيام بمعظم الوظائف المتعلقة بالتكنولوجيا بعشر تكلفة نظرائهم الأميركيين. ذلك فضلا عن استيراد الشركات الضخمة في الولايات المتحدة لأدوات الإنتاج بأسعار زهيدة من الهند والصين بدلا من القيام بتصنيعها في الداخل. وإنشاء مصانع الإنتاج في دول جنوب شرق آسيا، الأمر الذي أدى إلى إنعاش اقتصاد تلك الدول وجعل من المنافسة أمرا متاحا دون وجود القيود والعراقيل التي اعتادت على مواجهتها قبل أن يصبح العالم قرية متصلة متناهية الصغر. ربما بالغ الكاتب في تصوير بعض الحقائق خاصة فيما يتعلق بقدرة التكنولوجيا والاتصالات الحديثة البرمجيات ودورها في تسطيح العالم وتغيير ملامح مستقبله. وربما كانت الفرضية التي بني عليها فكرة الكتاب الرئيسية خاطئة أساسا. ولكن الكتاب يظل مصدرا مهما لإلهام القارئ بالبدء في التفكير في قضايا لم تخطر بباله من قبل.